عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

43

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

فقال الشاب للشيخ : فإن رأيت أن تتلطف بي ببعض مراهمك فافعل ، فقال له الشيخ : سل عما بدا لك ، فقال له : ما علامة الخوف من اللّه تعالى ؟ قال أن يؤمنك خوف اللّه من كل خوف غير خوفه ، فانتفض الفتى جزعا ثم خرّ مغشيا عليه ساعة ، فلما أفاق قال : رحمك اللّه متى يتقين العبد خوفه من اللّه ؟ قال إذا أنزل نفسه من الدنيا منزلة العليل السقيم ، فهو محتم من أكل الطعام مخافة طول السقام ، وتصبر على مضض الدواء مخافة طول الضنا ، قال : فصاح الشاب صيحة ظننا أن روحه قد خرجت ، ثم قال : يرحمك اللّه ما علامة المحبة للّه تعالى ؟ فقال : يا حبيبي إن درجة المحبة للّه رفيعة ، فقال الشاب : أحبّ أن تصفها لي ، فقال يا حبيبي إن المحبين للّه تعالى شقّ لهم عن قلوبهم فأبصروا بنور القلوب إلى جلال عظمة الإله المحبوب ، فصارت أرواحهم روحانية ، وقلوبهم حجبية ، وعقولهم سماوية تسرح بين صفوف الملائكة الكرام ، وتشاهد تلك الأمور باليقين والعيان ، فعبدوه بمبلغ استطاعتهم له ، لا طمعا في جنته ولا خوفا من ناره ، فشهق الشاب شهقة فمات رحمة اللّه تعالى عليه ، فجعل الشيخ يقبله ويبكى ويقول : هذا تصرّع الخائفين ، هذه درجة المحبين ، هذه روح حنت فأنت فسمعت فاشتاقت فشهقت فماتت . وأنشد بعضهم : على قدر علم المرء يعظم خوفه * فلا عالم إلا من اللّه خائف فآمن مكر اللّه باللّه جاهل * وخائف مكر اللّه باللّه عارف ( الحكاية الثانية : عن ذي النون المصري أيضا رضى اللّه تعالى عنه ) قال : بينما أنا أسير في نواحي الشام إذ وقعت إلى روضة خضراء وفي وسطها شاب قائم يصلى تحت شجرة تفاح ، فتقدمت إليه وسلمت عليه ، فلم يردّ علىّ السلام ، فسلمت ثانيا ، فأوجز في صلاته ثم كتب في الأرض بإصبعه : منع اللسان من الكلام لأنه * كهف البلاء وجالب الآفات فإذا نطقت فكن لربك ذاكرا * لا تنسه واحمده في الحالات قال ذو النون رضي اللّه عنه : فبكيت طويلا ، وكتبت بأصبعى في الأرض : وما من كاتب إلا سيبلى * ويبقى الدهر ما كتبت يداه فلا تكتب بكفك غير شئ * يسرك في القيامة أن تراه